مازال الصمت يرفرف بأجنحته حول جنبات الغرفة، ولا جديد في حياة ذلك الرجل البائس الذي يتدثر بمعطفه الرث، بعدما تركته زوجته وفر منه أولاده
لا يطل عليه سوى صديق قديم باق على عهد المحبة معه، لم يستفد منه قديما ، ولم تدخله المستجدات في متاهة الزمن الغادر
الرجل كان ميسور الحال لا يدخر جهدا لإسعاد أسرته، وفر لهم كل شئ من الإبرة لأفخم ما يتمنونه، عاث في الأرض بحثا عن ما يجلب لهم الراحة والهناء
منوال السعادة تمشي عليه دنياهم حتى تلك الليلة التي تم القبض عليه فيها بتهمة ( الاتجار في الرقيق الأبيض)..التهمة مبهمة وجديدة على أسماعهم ، دوى الخبر في جنبات كل الأهل والأصدقاء وكل من يعرفهم ، وبعدما خاضت الألسن في فحوى التهمة ودلالتها القبيحة والخالية من الآداب العامة، وجدت زوجته وأبنائه أنفسهم في موقف لا يُحسدون عليه من النظرات التي تُصوب إليهم ، ولم يحفلوا إلا بذلك حتى كلمة المواساة تجاه عائلهم المتهم لم ينبسوا بها بل العكس ، فكل كلمات التأنيب والملامة انطلقت منهم نحوه ، وكيف يقدم على هذه الجريمة ويغرقهم بالوحل، بل لم يسمعوا لدفاعه وكأنهم قد أصيبوا جميعا بالصمم
قضت المحكمة عليه بسبع سنوات سجن مشدد، لم ير أي من عائلته في المحكمة، وتلقفته أيادي الحراس دافعة إياه لغياهب سنوات قادمة ملامحها قاتمة، لم يستسلم لقدره أيام حتى زارته زوجه لتخبره بضرورة عمل توكيل لها- بتاريخ قديم- لتسيير أعماله
نظر إليها وقد فهم مبتغاها
مرت السنوات بِطيئة عليه وكأنهم سبعين عاما، وكما دخل بمفرده خرج بمفرده
وكما توقع تم بيع كل شئ بالتوكيل الذي وقّع عليه لزوجته ، ووجد نفسه صفريأً ، لا منزل لا عمل لا أسرة
تلقفته يدي صديق قديم قادته أرجله له ووجد نفسه يسترسل بعدما تعجب من حاله رغم ما وصل إليه من ثروة
( أردت أن أطير بهم إلى مصاف علية القوم، دون أن أشعرهم بمدى ما أقوم به من أجل ذلك، أغدقت عليهم الأموال بلا حساب؛ زوجتي تلبس أفخم ملابس وأثمن المجوهرات، الأبناء كل منهم درس في أكبر الجامعات ، كنت لهم بمثابة البنك المتنقل فقط، لذا عندما حدث ما حدث لم يكن صداه لديهم سوى أن يجدوا بديلا لمن يمنحهم فقط، أما الإنسان المجرد أصبح المجرم الذي جلب لهم العار ، حتى براءته لم تعنهم، بعدما اكتشفوا أن الشَرك الذي وقع فيه محكما؛ المنافسون استغلوا سذاجتي وقيامي بتأسيس ملجأ للأيتام وأوهموا المجتمع أنني استغلهم فيما يتنافى مع الآداب العامة، أسرتي أيضا لم ترد أن تذهب أموالي لغيرهم ، وتجمعت السهام ضدي، وها أنا ذا ....فهل ستقبلني معك؟)
نظر الصديق له
( بما أنني لم أذق طَعم ثروتك لا منافس ولا قريب فأنت مرحب بك )

«ضيفة غامضة» قصة قصيرة للكاتبة مارا أحمد
«إقرار» قصة قصيرة للكاتب محمد عاطف الجندي
«ورد الجلنار» قصيدة للشاعر عاطف الجندي







